عثمان بن جني ( ابن جني )
454
الخصائص
إذا ما راية رفعت لمجد * تلقّاها عرابة باليمين " 1 " أي بقوّته وقدرته . ويجوز أن يكون أراد بيد عرابة : اليمنى على ما مضى . وحدّثنا أبو علي سنة إحدى وأربعين " 2 " ، قال : في قول اللّه - جلّ اسمه - فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [ الصافات : 93 ] ثلاثة أقوال : أحدها : باليمين التي هي خلاف الشمال . والآخر باليمين التي هي القوّة . والثالث ( باليمين التي هي ) قوله : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [ الأنبياء : 57 ] فإن جعلت يمينه من قوله : مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ( هي الجارحة مجازا وتشبيها كانت الباء هنا ظرفا ) أي مطويّات في يمينه وتحت يمينه . وإن جعلتها القوّة لم تكن الباء ظرفا ؛ لكنها تكون حرفا ، معناه الإلصاق والاستعانة به ، على التشبيه بما يستعان به ؛ كقولهم : ضرب بالسيف ، وقطع بالسكين ، وحفر بالفأس . هذا هو المعنى الظاهر ، وإن كان غيره جائزا ، على التشبيه والسعة . وقوله في الحديث : " خلق اللّه آدم على صورته " " 3 " ، يحتمل الهاء فيه أن تكون راجعة على اسم اللّه تعالى ، وأن تكون راجعة على آدم . فإذا كانت عائدة على اسم اللّه تعالى كان معناه : على الصورة التي أنشأها اللّه ، وقدّرها . فيكون المصدر حينئذ مضافا إلى الفاعل ، لأنه - سبحانه - هو المصوّر لها ، لا أن له - عزّ اسمه - صورة و ( مثالا ) ؛ كما أن قولهم : لعمر اللّه ، إنما معناه : والحياة التي كانت باللّه ، والتي آتانيها اللّه ، لا أن له - تعالى - حياة تحلّه ، ولا أنه - عزّ وجهه - محلّ للأعراض . وإن جعلتها عائدة على آدم كان معناه : على صورة آدم أي على صورة أمثاله ممن هو مخلوق ومدبّر ، فيكون هذا حينئذ كقولك في السيد والرئيس : قد خدمته خدمته ، أي الخدمة التي تحقّ لأمثاله ، وفي العبد والمبتذل : قد استخدمته استخدامه ، أي استخدام أمثاله ممن هو مأمور بالخفوف والتصرّف ، فيكون إذا
--> ( 1 ) البيت من الوافر وهو للشماخ في ديوانه ص 336 ، ولسان العرب ( عرب ) ، ( يمن ) ، وتهذيب اللغة 8 / 221 ، 15 / 523 ، وجمهرة اللغة ص 319 ، 994 ، وتاج العروس ( عرب ) ، ومقاييس اللغة 6 / 158 . ( 2 ) أي بعد الثلاثمائة . ( 3 ) أخرجه البخاري في " الأنبياء " ( ح 3326 ) ، وفي غير موضع ، ومسلم في الاستئذان ، ( ح 2841 ) ، وقد سبق قريبا .